2018-11-19

وزير التعليم: الصوت العالي أصبح أقوى من العلم والمعرفة.. والابتزاز الفكري انتصر على المنطق والحجة



نشر وزير التربية والتعليم طارق شوقي، اليوم الإثنين، مقالا على صفحته الرسمية على موقع فيسبوك بعنوان "صورتان من الماضي والحاضر ونظرة إلى المستقبل". وقال الوزير: "تربيت صغيراً على قراءة المقالات الرصينة لقاماتٍ كبيرة في الصحف القومية والمجلات وقد تعرفت على أسلوب الفيلسوف الكبير توفيق الحكيم على صفحات الأهرام، وتابعت بشغف أسلوب الكاتب الموهوب الكبير أنيس منصور، وعرفت السياسة من خلال "بصراحة" للكاتب الكبير محمد حسنين هيكل كل يوم جمعة، وقد علمني جدي، رحمه الله، وأنا لم اتجاوز السابعة من عمري قراءة "نوابغ الفكر العربي" وسلسلة "اقرأ" وكان يكافئني بقراءة كتب "كامل الكيلاني" قبل نوم القيلولة كل يوم جمعة. وأضاف: "قرأ في مكتبات جده مجلدات عميد الأدب العربي طه حسين ثم العقاد وغيرهم. كل هذا قبل سن الثامنة حين فارق جدي الحياة في منتصف الستينات. لم يحدثني جدي عن "الدرجات" أو "الامتحانات" يوماً في حياته، وإنما كان يفخر بحفيده أمام الناس، الذي قرأ لهؤلاء العظماء في هذا السن الصغير، بفضل تشجيعه لي وتعليمي أن "قيمة المرء فيما يعلم". ثم أكمل والدي رحمه الله هذا الطريق إذ كان يجل العلم والعلماء وكان يمضي وقته كله في طلب العلم والبحث والتعلم. أفقت من هذه الذكريات لأواجه الواقع الحالي بعد نصف قرن وحزنت لما أصاب العلم والمعرفة والعلماء. أحاول جاهدا أن أفهم ماذا حدث خلال الخمسين سنةٍ الماضية للتعليم والمجتمع والوعي الجمعي. أنا لا اتحدث عن سنوات قضيتها في بيوت العلم وجامعات كبرى في الغرب وإنما أتحدث عن طفولة أفرزت هوية مصرية فخورة بانتمائها العربي ولغة عربية رصينة تعلمتها في مدارسنا الحكومية واستكملتها في مدارس مدينة حلب الجميلة في سوريا الشقيقة". وتابع: "تذكرت هذا وأنا اقرأ ما نكتبه في صحفنا اليوم وتأملت في ضياع لغة الحوار واستبدالها بالصراخ والسب ليل نهار على مواقع التواصل الاجتماعي. تأملت أيضاً في تردي اللغة العربية فيما نقول وفيما نكتب ومن العجب أن تتهاوى اللغة الأم ومعها اللغات الأخرى وقد استبدلنا هذا كله بلغة دارجة ركيكة ومصطلحات لا أعلم من أين جاءت وكيف تروق لنا بديلاً عن جمال ورصانة لغتنا الأم. وقال: "تأملت كيف نتشدق بحرية الرأي ثم ننهال سباباً وتجريحاً في أي صاحب رأي لا نتفق معه وكأن الرأي الآخر عداوة مطلقة تستدعي نواقيس وطبول الحرب. وإذا ضاعت قيمة العلم والمعرفة والحجة والمنطق تحول الكلام إلى حالة عبثية من الضجيج كالتي نعيشها اليوم. لم يعد العلم شرطاً كي نتحدث ونتجادل ولم يعد للمرجعية دوراً في التحقق من أي معلومة ولم يعد للغة وزناً فأصبح الكلام مرسلاً بلا معنى وبلا عمق. في هذا العالم الجديد تغيرت الأدوات وأصبح الصوت العالي أقوى من العلم والمعرفة وانتصر الابتزاز الفكري على المنطق والحجة". واستكمل "في هذا العالم الجديد نجد تربةً خصبةً للشائعات والتشهير وهدم الأمم، ولم لا فقد بات الناس لا يسألون سنداً أو مرجعيةً لأي شيءٍ يكتب ولا يحتاج المرء علماً أو مصداقيةً كي يتناول شتى الأمور، ولهذا كله نجده يسيراً جداً أن تنتشر الشائعات والأكاذيب والتحريف والتزييف لأننا لم نعد نحاسب مروجيها وكأننا نجد سعادةً خاصة في تناول سيرة الناس وتحقيق مكاسب خاصة بأقل جهد بإثارة بلبلة دائمة تستنزف الوقت والجهد وتقتل العزائم والهمم". واختتم الوزير مقاله قائلا: "قد يبدو هذا الحديث حزيناً أو محبطاً ولكن رأيت أن أشارككم صورة من الماضي وأخرى من حاضرنا الذي نعيشه ونكابده معاً، على الأقل كما أراه، لعلنا نتفكر فيما أصابنا ونحاول معا أن ننقذ أطفالنا الصغار مما أصابنا نحن الكبار. وللحديث بقية إن كان في العمر بقية.


Site Admin: المصدر